الراغب الأصفهاني

70

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ظلمة ، جعل اللّه تعالى لنا من العقل الذي ركبه فينا وكتابه الذي أنزله علينا نورا هاديا ، ومن عبادته « 1 » التي أمرنا بها حصنا واقيا فقال في وصف نوره : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ . . . الآية « 2 » فجعل المصباح مثلا للعقل ، والمشكاة مثلا لصدر المؤمن ، والزجاجة لقلبه ، والشجرة المباركة وهي الزيتونة للدين ، وجعلها لا شرقية ولا غربية ، تنبيها أنها مصونة عن التفريط والإفراط ، كما قال تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ « 3 » ، والزيت للقرآن ، وبين أن القرآن يمد العقل مدّ الزيت المصباح ، وإنه يكاد يكفي لوضوحه وإن لم يعاضده العقل « 4 » ، ثم قال ( نور على نور ) أي نور القرآن ونور العقل « 5 » ، وبين أنه يخص بذلك من يشاء . وقال في وصف ما جعله اللّه لنا من الحصن : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ « 6 » أي المتحصنين بعبادتي « 7 » فمن لم يقم برعاية نوره وحماية حصنه عمه في دجاه ، وتمكن من « 8 » استغوائه عداه . كما قال تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ

--> ( 1 ) في ط كتابه الذي أنزله علينا ، وفي د كتبه التي أنزلها إلينا ، وفي أكتبه الذي أنزلها علينا ، ورجحنا ط لأنه كتاب أنزل علينا ويضم الكتب السابقة له . ( 2 ) النور / 35 . ( 3 ) الإسراء / 9 . ( 4 ) في ط يعضده والمفاعلة « يعاضده » أقوى في إفادة المراد . ( 5 ) وعند الراغب في هذا التعاضد مستنده ، فقد تحدث العلماء في هذا ، ورأوا أن لا مانع من تعاضد المعنيات الإلهية من قرآن ورسل وعقل في الإنسان وآيات في الكون وكلها دلائل واضحة لا تترك عذرا المعتذر . « تفسير الفخر الرازي / 23 / 231 . ( 6 ) الحجر / 42 . ( 7 ) في ط المتخصصين ، وفي غيرها المتحصنين ، والأخيرة أولي لورود لفظ الحصن قبلا في جميع النسخ . ( 8 ) في ط تمكنت وجائز تمكن كذلك .